صديق الحسيني القنوجي البخاري

89

أبجد العلوم

درك الحقائق ، ولذلك قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك ، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر . والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنشفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ الزرع . الثالثة : أن لا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق ، وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته . الرابعة : أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة ، فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه من الإدراك والاطلاع . بل ينبغي أن يتقن أولا الطريقة الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه ، ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشبه وإن لم يكن أستاذه مستقلا باختيار رأي واحد وإنما عادته نقل المذاهب وما قيل فيها ، فليحترز منه فإن إضلاله أكثر من إرشاده ، فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم ، ومن هذا حاله بعد في عمى الحيرة وشبه الجهل . الخامسة : أن لا يدع طالب العلم فنّا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعها إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته ، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه وتطرف من البقية . فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض . ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله ، فإن الناس أعداء ما جهلوا . قال تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ . فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى اللّه تعالى أو معينة على السلوك نوعا من الإعانة ؛ ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود ، والقوامون بها حفظة كحفاظ الرباطات والثغور ، ولكل واحد رتبة وله بحسب درجته أجر في الآخرة إذا قصد به وجه اللّه تعالى . السادسة : أن لا يأخذ في فن من فنون العلم دفعة ، بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم . فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمّه ، ويصرف جمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة ، ولست أعني به الاعتقاد الذي يتلقنه العامي وراثة أو تلقفا ، ولا طريق تحرير الكلام والمجادلة فيه عن مراوغات الخصوم كما هو غاية المتكلم ، بل ذلك